محمد أبو زهرة

1594

زهرة التفاسير

عظيم من الله سبحانه وتعالى لمنع المشاحة ولإبراء الوصىّ ، ولكي يكون اليتيم على بينة من أمره ، والكلام يتضمن تقديم حساب عن التصرفات التي تصرفها في مال القاصر ، وقد كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وصيا على يتامى ، فلما أعطى إليهم أموالهم حاسبهم وحاسبوه ، وكان في ضمن الحساب زكوات أموالهم ؛ إذ كان يدفعها من هذه الأموال . وإنه في هذا الحساب يكتفى أبو حنيفة بيمينه إذا كان هناك خلاف في شأنها ؛ لأنه أمين لم تعرف خيانته ، إذ لو عرفت لعزل ، والأمين يصدق باليمين إذا خولف ، والمالكية والشافعية والحنابلة لا يقبل الحساب عندهم إلا بالإقرار من القاصر ، أو البينة الكاملة ، وهي رجلان أو رجل وامرأتان ، وإن حساب الناس قد يغادر الكثير ، والأمر في ذلك إلى الضمير الديني ، والقلب المخلص ، ولذلك كان وراء حساب الناس حساب الله الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ولذا قال سبحانه : وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً والحسيب هو المحاسب المراقب المشاهد الدقيق الحساب الذي لا يترك شيئا ، وكفى أن يكون هذا الحساب ، وكأن المعنى : حاسبوا أنفسكم فقدموا الحساب عن مال اليتيم صادقا ؛ فإنكم إن أفلتم من حساب الدنيا فلن تفلتوا أبدا من حساب الله المحيط الدقيق ، وإن استطعتم الإخفاء والكتمان والتحايل على الناس ، فلن تستطيعوا ذلك عند الله تعالى . لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ هذه قاعدة عامة لأصل التوريث في الإسلام ، وهي قاعدة أن الرجال لا يختصون بالميراث ، بل للنساء معهم حظ مقسوم ، ونصيب مفروض ، سواء أكان قليلا أم كان كثيرا ، وهذا إبطال لما كان يقع في الجاهلية من حرمان النساء من الميراث وقصره على الرجال . وذكر في هذا الموضع عند الكلام في شؤون اليتامى ؛ لأن الظلم عليهم كما يقع في أموالهم الثابتة ، قد يقع في أموالهم التي تئول إليهم من مورّثيهم ، فهذا النص أفاد دفع الظلم عن ضعيفين هما المرأة واليتيم ، أفاد دفع الظلم عن المرأة بالنص ، وأفاد دفع الظلم عن اليتيم بالإشارة ، وسيصرح القرآن